العيني

111

عمدة القاري

ذكر معناه قوله : ( لطعام ) أي : لأجل طعام ، وقال بعضهم : وهو مشعر بأن مجيئه كان لذلك لا ليصلي بهم ليتخذوا مكان صلاته مصلىً لهم ، كما في قصة عتبان بن مالك الآتية ، وهذا هو السر في كونه بدأ في قصة عتبان بالصلاة قبل الطعام ، وههنا بالطعام قبل الصلاة ، فبدأ في كل منهما بأصل ما دعي له . قلت : لا مانع في الجمع بين الدعاء للطعام وبين الدعاء للصلاة ، ولهذا صلى رسول الله في هذا الحديث ، والظاهر أن قصد مليكة من دعوتها كان للصلاة ، ولكنها جعلت الطعام مقدمة لها . وقوله : وهذا هو السر إلى آخره ، فيه نظر ، لأنه يحتمل أن الطعام كان قد حضر وتهيأ في دعوة مليكة ، والطعام إذا حضر لا يؤخر فيقدم على الصلاة ، وبدأ بالصلاة في قصة عتبان لعدم حضور الطعام . قوله : ( فنضحته ) من النضح وهو الرش ، وذلك إما لأجل تلبين الحصير ، أو لإزالة الأوساخ منه لأنه أسود من كثرة الاستعمال . وقوله : ( من طول ما لبس ) كناية عنها وأصل هذه المادة تدل على مخالطة ومداخلة ، وليس ههنا : لبس ، من : لبست الثوب ، وإنما هو من قولهم : لبست امرأة ، أي : تمتعت بها زماناً ، فحينئذٍ يكون معناه : قد اسود من كثرة ما تمتع به طول الزمان ، ومن هذا يظهر لك بطلان قول بعضهم ، وقد استدل به على منع افتراش الحرير لعموم النهي عن لبس الحرير ، وقصد هذا القائل الغمز فيما قال أبو حنيفة من جواز افتراش الحرير وتوسده ، ولكن الذي يدرك دقائق المعاني ومدارك الألفاظ العربية يعرف ذلك ، ويقر بأن أبا حنيفة لا يذهب إلى شيء سدىً . قوله : ( واليتيم ) ، هو ضميرة بن أبي ضميرة ، وأبو ضمير مولى رسول ا ، كذا قاله الذهبي في ( تجريد الصحابة ) ، ثم قال : له ولأبيه صحبة . وقال في ( الكنى ) أبو ضميرة مولى رسول ا ، كان من حمير ، اسمه سعد ، وكذا قال البخاري : إن اسمه سعد الحميري من آل ذي يزن ، وقال أبو حاتم : سعيد الحميري هو جد حسين بن عبد ا بن ضميرة بن أبي ضميرة . انتهى . ويقال : اسم أبي ضميرة : روح بن سندر ، وقيل : روح بن شيرزاد ؛ وضميرة ، بضم الضاد المعجمة وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف وفتح الراء في آخره هاء . قوله : ( والعجوز ) هي : مليكة المذكورة أولاً . قوله : ( ثم انصرف ) أي : من الصلاة ، وذهب إلى بيته . ذكر إعرابه : قوله : ( صنعته ) جملة فعلية في محل الجر لأنها صفة لطعام . قوله : ( فلأصلي لكم ) فيه ستة أوجه من الإعراب . الأول : فلأصلي ، بكسر اللام وضم الهمزة وفتح الياء ، ووجهه أن اللام فيه . لام كي ، والفعل بعدها منصوب : بأن ، المقدرة تقديره : فلأن أصلي . قال القرطبي : رويناه كذا ، و : الفاء ، زائدة ، أو : الفاء ، جواب الأمر ، ومدخول : الفاء ، محذوف تقديره : قوموا فقيامكم لأصلي لكم . ويجوز أن تكون : الفاء ، زائدة على رأي الأخفش ، واللام متعلق : بقوموا . الوجه الثاني : فلأصلي ، مثلها إلا أنها ساكنة الياء ، ووجهه أن تسكين الياء المفتوحة للتخفيف في مثل هذا لغة مشهورة . الثالث : فلأصلِّ : بحذف الياء ، لكون اللام لام الأمر ، وهي رواية الأصيلي . الرابع : فأصلي ، على صيغة الإخبار عن نفسه ، وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره : فأنا أصلي ، والجملة جواب الأمر . الخامس : فلنصل ؛ بكسر اللام في الأصل وبنون الجمع ، ووجهه أن : اللام ، لام الأمر ، والفعل مجزوم بها وعلامة الجزم سقوط الياء . السادس : فلأصلي ، بفتح اللام ، وروي هكذا في بعض الروايات ، ووجهه : أن تكون : اللام ، لام الابتداء للتأكيد ، أو تكون جواب قسم محذوف ، و : الفاء ، جواب شرط محذوف تقديره : إن قمتم فوا لأصلي لكم . قوله : ( فصففت أنا واليتيم ) كذا رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي والحموي : ( فصففت واليتيم ) ، بغير لفظ ، أنا ، وفي مثل هذا خلاف بين البصريين والكوفيين ، فعند البصريين لا يعطف على الضمير المرفوع ، إلاَّ بعد أن يؤكد بضمير منفصل ليحسن العطف على الضمير المرفوع المتصل ، بارزاً كان أو مستتراً . كقوله تعالى : * ( اسكن أنت وزوجك الجنة ) * ( البقرة : 53 ، والأعراف : 91 ) وعند الكوفيين : يجوز ذلك بدون التأكيد ، والأول هو الأفصح . قوله : ( واليتيم ) يجوز فيه الرفع والنصب ، أما الرفع فلأنه معطوف على الضمير المرفوع . وقال الكرماني : بالنصب ، ولو صح رواية الرفع فهو مبتدأ و : وراء ، خبره ، والجملة حال . قلت : وجه النصب هو أن تكون : الواو ، فيه : واو المصاحبة ، والتقدير : فصففت أنا مع اليتيم . قوله : ( والعجوز من ورائنا ) جملة اسمية وقعت حالاً . وفي حالة الرفع تكون معطوفاً . فافهم . قوله : ( فصلى ) أي ، النبي : ( لنا ) ، أي : لأجلنا . ذكر استنباط الأحكام : فيه : إجابة الدعوة وإن لم تكن وليمة عرس والأكل من طعامها . وفيه : جواز النافلة جماعة . فإن قلت : قد جاء في رواية أبي الشيخ الحافظ : ( فحضرت الصلاة ) . قلت : لا يلزم من حضور وقت الصلاة أن صلاته